الشباب … بين التهميش والتطنيش !
قابلني أحد الأحباب ذات مرة بعد أداء صلاة العشاء لي?تح معي إحدى المواضيع التي تخص العمل الإسلامي والسياسة , وقد كان ?ارق السن بيننا مميزا ً إذ يكبرني بسنين , ولكن ذلك لم يمنعني أبدا ً من إبداء آرائي ووجهات نظري التي كونتها وربيتها كالمهرة ?ي صندوق ?كريَ المتواضع و التي كانت تختل? عن أرائه تماما ً , مما دعاه بعد نهاية النقاش أن ينطق بكلمات بتّ أح?ظهن عن ظهر قلب من كثرة ما سمعتهن من أ?واه الشيوخ والكبار : يا بني إنك شاب وما زلت ?ي مقتبل العمر وتتملكك العاط?ة والحماس والإند?اع , ولكن عندما تنضج وتكبر ستغير آرائك !وهناك وتحت مصطلح شاب أضع ثمانية عشر ال? خط أحمر وأص?ر وأخضر , لأنني بصراحة لي نظرتي الخاصة ?ي هذا الموضوع بالذات , ليس لأني شاب وحسب , بل لأن التاريخ والواقع أثبتا أن مرحلة الشباب ليست مجرد مرحلة عمرية ?قط وإنما هي أمر نسبي , وإذا قبلنا بأن المرحلة العمرية للشباب هي مرحلة زمنية محددة ينتهي ?يها الشاب من مرحلة الط?ولة والمراهقة ليدخل إلى عالم زمني آخر ومن بعده- أي بعد مرحلة الشباب – ينتقل إلى مرحلة خري? العمر ومن قبلها مرحلة أواسط العمر , إذا قبلنا بهذا وذاك ?إننا مت?قون جميعنا على أنها مجرد مرحلة عمرية م?سير ?يها الإنسان لا م?خير وليس ?ي يد أي واحد منا تغييرها ما دامت سنة الله قائمة .ما المشكلة إذن ؟ إنني أتحدث عن مرحلة تكوين ال?كر ?ي المرحلة الشبابية الزمنية تلك , هذه المرحلة التكوينية هي مرحلة نسبية بحتة تتحكم ?يها البيئة والمجتمع ومناهج التعليم والتربية والقدرة ال?طرية على ال?هم والاحساس وتبادل ال?كر والدليل على ما أقول أنك ترى رجلا طار غراب رأسه وأحدودبت عظيمات ظهره , وتساقطت أسنانه , وإذا ما تكلم أو ت?وه ببنت ش?ه بدت على ملامحه معالم الط?ولية و *الولدنة* , وترى شابا ً صغيرا ً يا?عا ً لا تدل تصر?اته إلا على عقل راجح و?كر وثاب وموهبة عالية . ولذلك ?إننا لا بد أن نت?ق إذا ً على أننا من الممكن أن نرى جهابذة عظاما ً لم يكملوا العشرين و?ي الطر? الآخر نرى آلا?ا ً من كبار السن الذين لم يغيروا ?ي العالم حتى مقدار شعرة.
العجيب ?ي الأمر أنك اذا ما اطلعت على كتابات منظري العمل الإسلامي , والمشايخ والم?كرين , والسياسيين والثوريين , وأصحاب اي ?كر وايديولجية وجدتهم ي?شيدون بالشباب وبقوتهم و?طنتهم وحماسهم واتقاد شعلة ذكائهم , وأنهم درع الأمة وحماتها من كل جبار عنيد , وأنهم أصحاب ?داء ونداء وحداء , وإذا ما حاول أحد هؤلاء الشباب ممن اتص?وا بتلك الص?ات الجميلة السابقة ولو مجرد محاولة: نقد ?كرة , أو النقاش ?ي وجهات النظر , أو الانتصار لقضية معينة أو الد?اع عن جزء معين اتهموا مباشرة ومن ن?س الكتاب والمنظرين والسياسيين بالحماس والعن? وقلة الزاد والتسرع والإند?اع والجهل وعدم النضوج ال?كري والعلمي , ?بالله عليكم أنتعامل مع الشباب بوجهين ونكيل لهم بمكيالين ?نستغل قدراتهم وطاقاتهم عند الحاجة إليهم ثم إذا ما استغلوا هم أن?سهم ما رزقهم الله من قدرات وطاقات وضعنا من بين أرجلهم العراقيل وحطمنا كل ذرة موهبة ?ي داخلهم ؟!
من هم الشباب إن لم يكونوا أصحاب الصلابة والعزيمة وحماسة الروح , تنقل معي ?ي ص?حات التاريخ واقرأ عن سيد الخلق يوم بعث , ألم يكن شابا ً ?ي أخصب ?ترة شباب يمر بها الإنسان , وها هو أبو بكر يسلم وهو ?ي السابعة والثلاثين تكاد زهور الشباب تت?تق من بين خديه وذاك عمر أسلم وهو ?ي الواحدة والثلاثين تشرق منه نسمات القوة وعن?وان الأمل , وعثمان ?ي الخامسة والثلاثين ليكون وسام شر? شبابي من الطراز الأول. تعال معي لتقرأ قول الحبيب المصط?ى ?يقول : (( أوصيكم بالشباب خيرا ً ?إنهم أرق أ?ئدة , ألا وإن الله بعثني بالحني?ية السمحة ?حال?ني الشباب وخال?ني الشيوخ )) ولعمري ما سعمت لا اجمل ولا احلى من وص? رسول الله للشباب صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم . تعال معي لتتعر? على المرحلة العمرية ال?ردوسية ?ي الجنة لتعلم بانهم الشباب : (( أهل الجنة شباب مرد كحل لا تبلى ثيابهم ولا ي?نى شبابهم )) . ويضرب لنا رب العزة مثلا رائعا ً عظيما ً من امثلة الشباب المؤمن السوي القويم ?يقول : (( إنهم ?تية آمنوا بربهم وزدناهم هدى)) , ويضرب أمثلة الشباب الع?ي? ?يقول : ((وَرَاوَدَتْه? الَّت?ي ه?وَ ??ي بَيْت?هَا عَن نَّ?ْس?ه? وَغَلَّقَت? الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّه? إ?نَّه? رَبّ?ي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إ?نَّه? لاَ ي??ْل?ح? الظَّال?م?ونَ)) , إنهم أصحاب تضحية و?داء وذلة لله : (( ?لما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى ?ي المنام أني أذبحك ?انظر ماذا ترى )) ?ماذا كان رد الشاب المؤمن الصادق : (( قال يا أبت ا?عل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)) . قل لي بالله عليك كم كان عمر الشا?عي لما بزغ نجمه , وما سن عمر بن عبد العزيز لما علا عطاءه , وكم مضى لحسن البنا من العمر لما أشعل مصباح الصحوة , وكم كان عمر إبراهيم لما وق? ?ي وجه الوثنية والك?ر وحده وكم كان عمر الزبيري لما ضحى, وما سن إقبال لما أبدع , ومتى أزهر القرضاوي ,و?ي أي سن تألق الطنطاوي, وكم كان عمر الإمام ابن حنبل لما ثبت على الحق, امثلة يحتار الإنسان أيذكرها أم يتركها لكثرتها وو?رتها , وإني على علم كبير بعلم القارئ الكريم بها , ولكن لكأننا نمر عليها كما يمر المسا?رون على أي بلد مرور الكرام حتى كانها أصبحت كزمار الحي الذي ما عاد ي?طرب. لكأنني أراها مجرد مواد تظهر على السطح حين نشاء ثم إذا ما انتهت مهمتها أط?أنا عليها الأنوار وأعدناها إلى الادراج وأق?لنا عليها بإحكام .يتهمونكم – معاشر الشباب – بالحماس , ?قولوا لي بربكم ما هو الحماس , أن أكون ذا أمل وثاب وصلابة وحمية لربي ولديني ولكتابي ولنبيي , أيطلب منكم أن تجلسوا وتضعوا رجلكم اليمنى على اليسرى دون تحرك متزن , واند?اع حكيم , وحماس متقد بنور الله , ?إن ?علتم ذلك ?ثقوا بانكم ما زلتم ?ي ق?ص الإتهام لأنكم إذ ذاك تخليتم عن دينكم وتقاعستم عن نصرة دينكم وتباطئتم عن ر?ع راية الإسلام عاليا … حيرتكم أليس كذلك ؟؟ إن سجن اليأس أضحى عظيما ً وكلما كلمت أوناقشت أحدهم أ?بشره بانتشار الصحوة , ورجوع الشباب , ونجاحات الإسلاميين على النطاق السياسي والاقتصادي والتعليمي ?اجئني بسلبية متقعة , وردود مؤلمة , وانا أبصره يكبرني ويكثرني بالخبرة والعلم , ?تدور ?ي رأسي الأ?كار ,وتختل? ?ي ?ؤادي المشاعر , وتخالطني الأحزان … أنتصر ويهزمونني , أشعل ?ي قلبي نار العزة ?يط?ئونها ببرود ردودهم , أعلوا بروح ال?خر ?يسقطونني بـ - اصمت ما زلت شابا ً – وعلى وجه كل واحد منهم علامات الحزن المتشح بالركون .نرى الكثير من الشباب ي?ضيعون أحلى أيامهم بذبول زهرات عمرهم وانكماش ايمانهم , وقله زادهم , وقبح ?عالهم , وسواد ?كرهم , ?نسرع بر?ع الأك? سائلين الله لهم الهداية والإنابة , ثم إذا ما رزقنا الله شبابا ً كاللؤلو المكنون , قوامين صوامين , طلاب علم , وأصحاب عمل وحركة وحماس : رددناهم وأغلقنا ?ي وجوههم الأبواب ?لا هيت لك ولا هم يحزنون . ?إن كنا حقا ً – معاشر الكبار – أصحاب إنصا? ومساواة وتنمية وتربية وموضوعية ونزاهة وعلمية ?لنضم ولنحضن هذا الشباب المؤمن. لنعتر? بهم بعمق بلا تهميش ولا سطحية ?نكسب بذلك ودهم ونط?ئ جمرة حماسهم المتقد لنجعلها مشعل هداية متزن . لن?حصنهم بحكمتكم أيها الشيوخ الأ?اضل والكبار الاحباب , إن الشباب أصحاب ?ضول وحب اطلاع برئ ?أد?قوا عليهم من حكيم زلالكم . أط?روهم وعَبدوا لهم الطريق واتركوهم ليقولوا ما عندهم , ولا تهدروا أ?كارهم بالسطحية والتهميش , بل بالقدوة والنقاش والحوار . حملوهم المسؤوليات , واحتضنوهم ولا تن?روهم , ?إن لم ت?علوا ذلك ?لا تنتظروا إلا أن يبحثوا عن ملاجئ ومغارات يشعلون ?يها جذوة طاقاتهم المت?جرة , ثقوا بهم ولا تحكموا عليهم مسبقا ?لو علمتم قدراتهم وذكائهم و?طنتهم ل?رحتم كثيرا واطمأننتم أكثر ?هم كنز مغمور يحتاج إلى تنقيب وبحث مستمر .قو?موهم بالتي هي أحسن وابنوا معهم - وأقول معهم - الذات , علموهم أن يحيوا الحياة قبل أن تعلموهم كي? هو الموت … بلا توبيخ ولا قرع ولا صياح ولا عناد . نردد دائما ً ?ي أدبياتنا ان الاستبداد رأس كل مشكلة , ?بالله عليكم لا تطلبوا وتطالبوا باستإصاله عند الغير , ثم تطبقوه بحذا?يره ?يما بيننا .أخيرا ً أسأل الله الكريم المنان أن يحميَ شيوخنا الأ?اضل وكبارنا الأسياد أصحاب ال?ضل بعد الله , هم تاج رؤوسنا نحمله صباح مساء ونت?اخر به أمام الناس , وما هذه الخلجات إلا مطالب شباب مخلص نقي ع?ي? أراد أن ي?تح لهم الكبار الصدور , وأن ي?هم الجميع بم يشعرون وماذا يطلبون . حنانيكم حنانيكم ?ما هم – الشباب – إلا بضعة منكم ?لا تضيعوهم !